تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري

84

مباحث الأصول ( القسم الأول )

وعلى أيّ حال ، فيكفي لإبطال برهان الجبر ما عرفته من إبداء احتمال كون الإنسان مصداقاً لمفهوم السلطنة « 1 » .

--> ( 1 ) فيبقى الوجدان الحاكم بالاختيار خالياً عن المزاحمة بالبرهان . وهذا الوجدان غير الوجدان الذي مضى ذكره الذي كان حاكماً بالفرق بين حركة يد المرتعش وحركة يد السليم ؛ فإنّه كان يكفي إشباعاً لذاك الوجدان فرض : أنّ حركة يد السليم حركة بإرادته ، وليست يد السليم كعصا بيد الخالق هو الذي يحرّكها ، وإلّا لكانت مثل حركة يد المرتعش ، أي : يكفي لإشباع ذاك الوجدان إنكار الجبر الأشعريّ ، في حين أنّ هذا الوجدان عبارة عن وجدان نفس السلطنة ؛ لأنّها معلومة بالعلم الحضوريّ لدى النفس ، أي : هي موجودة بذاتها لدى النفس ، فالوجدان يحكم بها ، وهذا يبطل الجبر الأشعريّ والفلسفيّ في وقت واحد ، وقد كان يقف أمام هذا الوجدان برهان القائل بالجبر الذي قد يغطّي على الوجدان ، فيكفينا إبطال ذاك البرهان بلاحاجة إلى برهان على الاختيار ، وقد أبطلناه . إن قلت : لو كان يكفينا إبطال برهان الجبر بلا حاجة إلى برهان على الاختيار والسلطنة ، فلماذا اعترض استاذنا الشهيد رحمه الله على المسلك الثاني من مسالك إبطال الجبر ، وهو المسلك المنكر لقانون ( أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ) والمؤمن في مقابل ذلك بقانون الصدفة ، حيث مضى في الإشكال على ذلك - بغضّ النظر عن بطلان المبنى - : أنّ هذا لا يثبت الاختيار ؛ فإنّ الصدفة غير الاختيار ، فلِمَ لمْ تقولوا هناك : إنّه لم تكن المقصود البرهنة على الاختيار حتّى يقال : إنّ الصدفة لا تثبت الاختيار ، وإنّما المقصود كان ردّ برهان الجبر ونفي المقدّمة الثانية ، أعني : قانون ( أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ) كافٍ في إبطال برهان الجبر . قلنا : أوّلًا : إنّ صاحب هذا المسلك كان يحاول تفسير الاختيار بنفي الوجوب ، وإنكار : أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، فيكفي اعتراضاً عليه : أنّ مجرّد نفي الوجوب لا يساوق الاختيار . وثانياً : إنّ هذا المسلك ، أي : مسلك تعميم الصدفة على الأفعال الاختياريّة كمسلك تعميم قاعدة ( أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ) على الأفعال الاختياريّة ينتهي إلى الجبر ؛ لأنّ صدور الفعل منّا كما أنّه لو كان واجباً لكان هذا غير الاختيار ، فلزم الجبر ، كذلك لو كان صدفةً لكان هذا غير الاختيار ، ولزم الجبر ، فمن يفترض : أنّ الصلاة تصدر منّا صدفة ، وكذلك شرب الخمر ، كيف يمكن أن يفترض : أنّنا صلّينا باختيارنا ، أو شربنا باختيارنا . والخلاصة : أنّ كون نسبة الفعل إلينا نسبة الاختيار شيء يقابل كون نسبته إلينا نسبة الوجوب ، أو كون نسبته إلينا نسبة الصدفة